الكتاب مليء بقصص ومغامرات المشاريع ذات طابع العمل الاجتماعي التي أنشأها المؤلف سواءً من خلال مصرفه أو مع شركاء آخرين طبقاً لمفهوم العمل الاجتماعي الذي يفترضه. فهي إما تنخرط تحت النوع الأول من مشاريع العمل الاجتماعي, أو النوع الثاني, أو مزيج ما بين الاثنين.
ولغرض التوضيح, سنأخذ مثال لأحد المشاريع التي تبنى فكرتها كل من مصرف جرامين ومجموعة دانون للألبان Danone Group.
قام كل من المصرف والشركة الفرنسية العملاقة بعمل شراكة لإنشاء مصنع زبادي في بنجلادش طبقاً لمفهوم البروفيسور يونس للعمل الاجتماعي. فهدف مجموعة دانون لم يكن ربحياً, بل كان اجتماعياً يستهدف فقراء بنجلادش من ناحيتين:
من الناحية الأولى: يبيع مصنع الزبادي منتجاته بأسعار رمزية لتغطي فقط نفقات المصنع وتكاليف الإنتاج لمساعدة الفقراء وخصوصاً الأطفال في بنجلادش لتجاوز مشكلة سوء التغذية لديهم, لأن منتج الزبادي معزز بالفيتامينات والمعادن التي تسبب نقصها مشاكل صحية لدى الأطفال.
من الناحية الأخرى: يعتمد المصنع على المزارعين القرويين الفقراء في الحصول على الحليب المستخدم في عملية تصنيع الزبادي. وكذلك, خلق فرص عمل لفقراء القرى المجاورة للمصنع وخصوصاً النساء منهم من خلال العمل في المصنع والتسويق للمنتج.
نلاحظ من التجربة السابقة أن مبادرة مجموعة دانون لإنشاء هذا المصنع مناصفة مع مصرف جرامين تجمع ما بين مفهومي العمل الاجتماعي المذكورين سلفاً في هذا المقال. (في الجزء الأول)
الصندوق بين الواقع والمأمول
فعلى سبيل المثال, صندوق البحراني الخيري وغيره من الجمعيات الخيرية لديه رسالة سامية مفادها أن الصندوق أسس على مبادئ غير ربحية وأن جميع أهدافه خيرية, واجتماعية, وأسرية. كلام جميل, لكن في ظل المتغيرات التي نشهدها يجب على كل منظمة أن تواكب, وتتكيف مع تلك المتغيرات من أجل وصولها لأهدافها المنشودة. بمعنى آخر, إذا بقي الصندوق يعتمد على التبرعات والصدقات والأخماس...الخ, فلن يصل إلى نتائج مرضية وملموسة في زمن قياسي.
لنأخذ على سبيل المثال مشروع بناء حسينية البحراني, كثير من أفراد العائلة يسمع بهذا المشروع الذي طال انتظاره ولم يرى النور حتى هذه اللحظة. لماذا لم يتم الانتهاء من بناء هذا المشروع في السنوات الماضية؟ ولماذا يعاني هذا المشروع؟ ولماذا فشل أعضاء الصندوق السابقون في انجاز هذا المشروع؟ ما هي المعوقات والأسباب؟ لماذا ولماذا ولماذا؟
الجواب بسيط جداً وكلنا يدركه: "شح الموارد المالية لدى الصندوق." ولماذا يعاني الصندوق من هذا الشح؟ "لأن الصندوق ليس لديه موارد مالية ثابتة يعتمد عليها في وضع خطط لانجاز مشاريعه, فهو يعتمد على التبرعات. ومن الواضح أن التبرعات ليست التزامات على المتبرعين, فمن أفراد العائلة من هو مقتدر, ومنهم غير المقتدر, ومنهم من لديه إحساس بالمسؤولية تجاه هذا المشروع, ومنهم من ليس لديه ذلك الشعور...الخ. لهذا السبب فقط ظل المشروع الحلم يعاني طيلة السنوات الماضية".
هنالك الكثير والكثير من المشاريع التي تراود القائمين على الجمعيات الخيرية لكنها للأسف ستبقى مجرد أفكار ومشاريع في الأذهان ولن ترى النور على أرض الواقع لذات السبب ــ "شح الموارد المالية وضيق الميزانية." فلماذا لا تبحث الجمعيات عن بدائل وحلول لحل هذه المشكلة التي تحد من إنشاء مشاريع أو تهدد بقاء مشاريع أخرى.
الحــــــــل:
الحل في أن يكون لهذه الجمعيات مصدر دخل ثابت يستطيع من خلاله القائمين على الجمعيات التخطيط لمشاريعهم المتعثرة والمستقبلية. فلو افترضنا أن للصندوق مشروع ضخم يصرف ريعه على الأعمال الخيرية والأهداف التي أسس الصندوق من أجلها لما بقي مشروع معلق "حتى إشعار آخر". ويمكن لمشروع عملاق أن يكون شراكة بين مستثمرين (الميسورون والأغنياء من أفراد العائلة) تكون لهم نسبة معينة ــ 50% فرضاً ــ وللصندوق نسبة أخرى ــ 25% ــ ويكتتب الفقراء والموعزين من أفراد العائلة (على أن يتم تحديد أولوية المكتتب المحتاج من قبل الصندوق نظراً لكونه الأعرف بالمحتاجين من العائلة) في الـ 25 % المتبقية لكي يستفيدوا من عوائد ذلك المشروع. تأخذ شراكة المستثمرين, بالطبع, في حال لم يستطع الصندوق القيام بمشروع كهذا بمفرده. بتلك الطريقة يكون قد استفاد الفقراء من هذا المشروع بشكل مباشر ــ عن طريق الأرباح التي توزع عليهم بسبب تملكهم عدد من الأسهم ــ وبشكل غير مباشر ــ عن طريق حصة الصندوق في المشروع والتي سيستخدم أموالها في مساعدة المحتاجين منهم أيضاً.
يتميز هذا الحل بالمرونة لعدة أسباب منها:
(1) يمكن استبدال حصة الفقراء في المشروع ــ إذا ثبت عجزهم على المساهمة في الحصة المخصصة لهم أو عجز الصندوق في الاكتتاب لصالحهم ــ بحصة تخصص لشباب العائلة. مالسبب؟ ولماذا فئة الشباب؟ الجواب: نظراً لكون الشباب فئة مستهدفة من الصندوق, وذلك واضح وجلي من خلال الأنشطة والبرامج الموجهة لتلك الفئة الحيوية والفاعلة من الصندوق.
(2) باستطاعة الصندوق الاستغناء عن المستثمرين في حال استطاعة الصندوق تغطية تلك الحصة من قبل فئة الشباب ويكون ذلك عن طريق البحث عن مشاريع صغيرة أو متوسطة الحجم.
هكذا يكون الصندوق قد واكب المتغيرات التي يواجهها في عالم ديناميكي متغير لا يبقى فيه إلا من يتأقلم ويتكيف مع تلك المتغيرات. وبذلك يكون الصندوق قد حقق أهدافه المرجوة من دون عوائق وعراقيل.
كلنا يتطلع لغد واعد ومستقبل مشرق لمنظومة حيوية كصندوق البحراني الخيري وذلك لا يتم إلا عن طريق تبني المبادرات. فالإنجازات العظيمة تحتاج للصالحين من أبناء العائلة ومن لديهم إحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين من أبناء العائلة والمجتمع قاطبة. فالإصلاح دائماً يبدأ من الداخل.
كلنا يعي خطورة مشكلة الفقر على جميع المجتمعات. لكن, للأسف, لا توجد وصفة سحرية للقضاء على الفقر, فالفقر سنة الله في خلقه. مع ذلك, باستطاعتنا ومن خلال العمل المؤسسي المنظم الإبداعي والساعي وراء تطوير أدواته وتنمية موارده التخفيف من آثاره. فنحن في حاجة لتبني أفكار وابتكارات ومبادرات وحلول حديثة, لنرتقي بعملنا المؤسسي وبلوغ غاياتنا التي من أجلها أسس هذا العمل.
"خيــر النــاس أنـفـعـهــم للنـاس" الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.
اضم صوتي لوصتك اخ عبدالمجيد
الله يعطيك العافية على هذا المختصر الجلي والمفيد لهذا الكتاب الرائع